محمود سالم محمد
324
المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي
غربت ركائبهم ودمعي سافح * فشربت بعدهم بماء غروب « 1 » وقد ابتعد الغزل في مقدمة المدائح النبوية عن التعيين ، فلم يعد يتبين قارئه إن كان غزلا حقيقيا أم أنه رمز لأشياء أخرى كما هو الأمر عند المتصوفة ، الذين عبّروا عن حبهم الإلهي ووجدهم بطريقة الغزل المعروفة ، ومن ذلك قول الصرصري في مقدمة نبوية : شواهد قلب الصّبّ لا تقبل الرّشا * فكيف قبول النّصح من كاشح وشى أيأمر خلو بالتّصبّر مغرما * وآنس ربع الحبّ أصبح موحشا أما في الهوى العذري عذر لشيّق * إذا لاح برق من تهامة أجهشا « 2 » ومثل هذا الغزل في مقدمة المدحة النبوية ، لا يمكن أن يكون في أحبّة من النساء اللواتي يستملن قلوب العشاق ، والغزل كله وجد على طريقة المتصوفة . فشعراء المديح النبوي لم يكن غزلهم بفتاة معينة ، ولم يكن هدفه إظهار المشاعر نحو النساء ، وإنما كان غزلا تقليديا ، لاستكمال الشكل الشعري للمدحة النبوية ، وكان غزلا رمزيا ، يراد منه إشاعة مشاعر الوجد والحب للرسول الأمين وصحابته والأماكن المقدسة ، والتمهيد للمديح النبوي . الرحلة : ومثلما ذكر شعراء المديح القدامى رحلتهم إلى الممدوح ، ووصفوا طريق الرحلة ، ووصفوا راحلاتهم ، ليظهروا ما تجشموه من مشاق للوصول إلى الممدوح ، فيجزل لهم العطاء ، كذلك فعل شعراء المديح النبوي ، ونقلوا هذا التقليد إلى المدائح النبوية ، وهم صادقون في حديثهم عن الرحلة ، لأنهم كانوا يقومون بها للحج أو لزيارة رسول اللّه
--> ( 1 ) تاريخ ابن خالدون : 7 / 405 . ( 2 ) ابن شاكر : فوات الوفيات 4 / 311 .